صديق الحسيني القنوجي البخاري
204
أبجد العلوم
مطلب في أن صناعة النظم والنثر إنما هي في الألفاظ لا في المعاني « 1 » : « اعلم أن صناعة الكلام نظما ونثرا إنما هي في الألفاظ لا في المعاني ، وإنما المعاني تبع لها وهي أصل . فالصانع الذي يحاول ملكة الكلام في النظم والنثر إنما يحاولها في الألفاظ بحفظ أمثالها من كلام العرب ، ليكثر استعماله وجريه على لسانه ، حتى تستقر له الملكة في لسان مضر ، ويتخلص من العجمة التي ربي عليها في جيله ، ويفرض نفسه مثل وليد ينشأ في جيل العرب ، ويلقن لغتهم كما يلقنها الصبي حتى يصير كأنه واحد منهم في لسانهم . وذلك أنا قدمنا أن للسان ملكة من الملكات في النطق يحاول تحصيلها بتكرارها على اللسان حتى تحصل . والذي في اللسان والنطق إنما هو الألفاظ ، وأما المعاني فهي في الضمائر . وأيضا فالمعاني موجودة عند كل واحد ، وفي طلوع كل فكر منها ما يشاء ويرضى ، فلا تحتاج إلى صناعة . وتأليف الكلام للعبارة عنها هو المحتاج للصناعة كما قلناه . وهو بمثابة القوالب للمعاني فكما أن الأواني التي يغترف بها الماء من البحر منها آنية الذهب ، والفضة ، والصدف ، والزجاج ، والخزف ، والماء واحد في نفسه ، وتختلف الجودة في الأواني المملوءة بالماء باختلاف جنسها لا باختلاف الماء ؛ كذلك جودة اللغة وبلاغتها في الاستعمال تختلف باختلاف طبقات الكلام في تأليفه باعتبار تطبيقه على المقاصد ، والمعاني واحدة في نفسها ، وإنما الجاهل بتأليف الكلام وأساليبه على مقتضى ملكة اللسان إذا حاول العبارة عن مقصوده لم يحسن بمثابة المقعد الذي يروم النهوض ولا يستطيعه لفقدان القدرة عليه . واللّه يعلمكم ما لم تكونوا تعلمون » « 2 » . * * * مطلب في أن حصول هذه الملكة بكثرة الحفظ وجودتها بجودة المحفوظ « 3 » : « قد قدمنا أنه لا بدّ من كثرة الحفظ لمن يروم تعلم اللسان العربي ، وعلى قدر جودة المحفوظ وطبقته في جنسه وكثرته من قلته تكون جودة الملكة الحاصلة عنه للحافظ . فمن
--> ( 1 ) انظر مقدمة ابن خلدون ( ص 667 ، 668 ) . ( 2 ) آخر ما نقله عن ابن خلدون ( ص 668 ) . ( 3 ) انظر مقدمة ابن خلدون ( ص 668 - 671 ) .